الثلاثاء، 24 مارس 2020

كيف ولماذا يسقط الأفراد وتنهار الأمم والحضارات؟!

 صرخة إنسانية مبدعة
لا تقتلوا كل المعاني الجميلة داخلنا وحولنا
لا تحطموا الأحلام داخلنا
لا تدمروا مسستقبلنا
أوقفوا الحروب
لا تسعروا العنف
كفى سفكاً لدمائنا
كفى رصاصًا
ارحموا الخلائق
لا تفسدوا العباد والبلاد
انشروا السلام!.













الخميس، 12 مارس 2020

أروى ... وأمنياتها الثلاث التي أتعبتني!

أروى وأمنياتها الثلاث التي أتعبتني!
منذ خمس سنوات دخل علي رجل متوترًا؛ وبين يديه طفلة حديثة الولادة؛ وصرخ باكيًا: (أغثني يا دكتور ابنتي المولودة اليوم مخنوقة ولونها أزرق ولا تستطيع التنفس وستموت!؟)
فهدأته وطمأنته، وفحصتها، ثم أخبرته؛ أنها تعاني من صعوبة التنفس (Birth Asphyxia)!.
وأنها في حاجة إلى حضّانة فوراً وستكون بخير بعون الله!.
ونظرًا لظروفه المادية؛ أخذنا نبحث عن أرخص مكان على قدر ظروفه!.
ولم أكن أدري أن هذه الزيارة؛ ستكون بداية علاقتي العجيبة مع (أروى) مريضتي الجميلة الرائعة ذات الخمس سنوات الآن!؟.
حيث اكتشفنا بعد خروجها من الحضانة؛ أنها تعاني من بعض علامات ضمور المخ!.
مما نتج عنه بعض التأخر في جهازها الحركي!.
وهذا يعتبر بداية مشوار المعاناة في مراكز العلاج الطبعي، وتعديل السلوكيات!.
وتكون المعاناة أشد عندما تكون الظروف المادية صعبة!.
وبمرور السنوات!.
توطدت علاقتي الفريدة بطفلتنا الرائعة (أروى) والتي أصبحت كل زيارة لي تحمل رسالة إيجابية تفاؤلية محفزة لي!.
بل وكانت زادًا تربويًا وروحيًا وإنسانيًا!؟.
حيث اكتشفت بعد خمس سنوات أنني في حاجة إليها أكثر من حاجتها لي!.
ففي كل زيارة منذ ولادتها حتى الآن؛ يرسل لي ربي معها رسائل راقية مطمئنة تعيد لي اتزاني النفسي؛ خاصة إذا كانت أثناء مروري بضائقة أو شدة!.
فاستبشر بزيارتها وبكلامها وبرسائلها الربانية!.
فسبحان الله رجل ستيني يجد راحته وسلوته في كلمات بسيطة من طفلة بريئة!.
هكذا الغروب دومًا يعشق الشروق!.
لذا فإنني اعتبرها آية من آيات الله!.
وعندي قناعة أنها وأمثالها بابًا من أبواب رحمة وكرم وفضل ربنا!.
بل وعلامة أو دلالة وده سبحانه وحبه لي!.
ولعلها من باب البشريات الربانيات الراقيات!.
قِيلَ لِرَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: أَرَأَيْتَ الرّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنَ الْخَيْرِ وَيَحْمَدُهُ النّاسُ عَلَيْهِ؟.
قالَ: ”تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَىَ الْمُؤْمِنِ“. (مسلم)
حتى كتبت خاطرة عنها وعن (طبيب الأطفال):
(مُتْعَةٌ يَسْتَشْعِرُهَا دَوْمًا بَيْنَ جَنْبَيْهْ!
فَلَقَدْ رُزِقَ حُبًّا طَاهِرًا كََحُبِّ وَالِدَيْهْ!
فَمَنْ مِثلِهِ يُقَابلَهُ مَرِيضُهُ فَرِحًا فَاتِحًا ذِرَاعَيْهْ؟!)
وتذكرت حادثة غريبة منذ عقود؛ والتي لا تغيب عن ذاكرتي إلى الآن!.
فذات يوم في التسعينيات؛ أثناء عملي في (مستشفى الأطفال والولادة) بمدينة (بريدة) في (القصيم) وهي إحدى محافظات (السعودية)؛ والتي كانت فترة ثرية طبيًا وعلمياً وتربويًا وأدبيًا!.
وذلك عندما تعرض أخ فاضل لحادث رهيب!.
وقد كان يعمل محاسبًا وكان اسمه (نبيل) وهو نبيل فعلاً وله حظ كبير من اسمه؛ وقد ظل في غيبوبة لشهور!.
ومن حبي له؛ ومن معرفتي أنه من الأحباب الربانيين وأحسبه كذلك!.
أنني كنت أتحاشى زيارته؛ تأثرًا بحالته، وحزنًا عليه!.
وكنت أمر في تلك الفترة بشدة مادية ونفسية!.
وكما تعودت دومًا؛ على أن الوسيلة السحرية للخروج من أي شدة أو مأزق؛ هو التفتيش عن الخلل داخلي!.
وأن أفتش عن أي ذنبٍ سبب لي محنتي!.
كما ورد عن الإمام ابن رجب الحنبلي في كتابه الرائع (جامع العلوم والحكم)!.
وكذلك عن الإمام ابن الجوزي رحمه الله في مؤلفه الممتع (صيد الخاطر)!.
وهو من باب المراجعات والنقد الذاتي كما علمنا ربنا في أقسى مراجعات مصيبة أحد:
"أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ". (آل عمران165)
ثم استعمل سلاح الاستغفار والخبيئة!.
ولكن هذه المرة تذكرت تجربتي الخليل إبراهيم وكليم الله موسى عليهما السلام، وهما من هما؛ فهما من أولي العزم الخمسة من الرسل الكرام عليهم السلام!.
أما الخليل فقد سأل ربه برهانًا ماديًا ودلالة محسوسة تطمئنه على صحة طريقه وعلى معية ربه معه؛ حتى يثبت ويطمئن ويستبشر بوعده سبحانه؛ وأنه يلوذ إلى ركن شديد:
"وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي". (البقرة260)
وكذلك هو من نفس الباب وقضية البرهان المادي المحسوس الذي طلبه موسى عليه السلام: "وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي". (الأعراف143)
وكانت الاستجابة الربانية السريعة لهذين العظيمين الجليلين عليهما السلام.
وكأنها رساله إيجابية ولطيفة ربانيةمغزاها:
(اطمئن ...
واثبت ...
وتفاءل ...
لن أخذلك ...
ولن أضيعك ...
ولن أخيب رجاءك في ...
كما عودتك!).
لذا ذهبت وحيدًا وتعمدت أن أدخل على (نبيل) في شبه غيبوبته لأستمد برهانًا محسوسًا يثبتني ويطمئنني ويبشرني!.
والعجيب أنني أول ما وضعت قدمي في غرفته في (مستشفى الملك فهد التخصصي)؛ نظر إليً وقال بصوت خفيض وبكلمات متفرقة لا أنساها؛ وكأنه يحدث نفسه: (لماذا تاخرت عني؟!).
فذهلت!.
وانهرت باكيًا وقد ظنت أنه لن يعرفني!.
ثم أسررت إليه في إحدى أذنيه: (نبيل حبيبي؛ ماذا عني؟!. وماذا عن حالي؟!).
فقال كلمات ساحرة حفرها في ذاكرتي ولم أنساها!.
ولم أذكرها لأي مخلوق!.
وجعلتها سرًا للآن بيي وبين مولاي وسيدي!.
وقبلت رأسه!.
ورجعت من عنده وقد انشرح صدري وذهب همي وهامتى تكاد تطال عنان السماء!.
فرضي الله عن (نبيل) الحبيب وجزاه الله عني خير الجزاء!.
ونعود إلى (أروى) صديقتي الجميلة!.
فهي من نفس الباب الطيب!.
باب استشعار معية وستر ورضى ربنا الكريم الودود الحنان المنان الستير اللطيف الخبير!.
وهو نوعية من رزقه الطيب الذي اعتبره أشد نفاسة وقيمة من رزق المال!.
فقد أذهلتني (أروى) منذ شهور عندما أصرت أن تأتي إلى خلف المكتب وتبتسم من وراء نظارتها الجميلة ابتسامة ملء الدنيا!.
وتصر على احتضاني وتقبيلي كعادتها!.
وقالت بتأثر شديد وأسف غريب كلمات مذهلة أخرستني!.
فأغلقت الباب بعد خروجها!.
وبكيت حبًا لها ورضاءً على نعم ربنا!.
واعتبرته أرفع وسام تقدير حصلت عليه في مسيرتي الحياتية الستينية!.
فقد قالت كلمات قليلاً ما أسمعها من الكبار!.
(معلش غَلّبتك معايا!)
يا الله أيتها ألأروى!.
يا الله على كرمك يا ربي!.
من مثلي ومن يستشعر ما أنا فيه من سعادة!.
فعلا الرزق ليس مالا فقط!.
بل إن أعظمه؛ هو تلك المشاعر الطيبة والمعاني الخالصة المخلصة والبريئة الصافية النقية الرفيعة!.
أين أنت يا (ماسلو) وأين نظرياتك النفسية؛ لتتعرف على أعلى درجات ما تحتاجه النفس البشرية؟!.
ثم كان الأمر المذهل والأعجب والأغرب في زيارتها الأخيرة!.
وأسأل الله ألا يحرمني منها!.
فقد قالت لي تلك الساحرة الصغيرة، والزهرة البريئة؛ بعد أن طلبت منها؛ وهي تقف بجواري بعد عناقها وتقبيلها لي؛ فسألتها:
(ماذا تتمنين يا أروى؟!).
فأجابت إجابة أذهلتني أكثر!.
وأتعبتني أكثر فأكثر!.
حتى استأذنت والديها الصديقين الطيبين أن أكتب قصتها!.
فرحبا جدًا بذلك!.
حتى أنني طلبت من الممرضات أن يأتين ويسمعن مالم ولن يسمعنه في حياتهن!.
حيث سردت لي ثلاث أمنيات غاليات عجيبات مذهلات متعبات ساميات مباركات:
(نفسي ربنا يشفيني!.
ونفسي ربنا يخليك ليا!.
ونفسي أعمل عمرة!!!؟؟؟).
(د. حمدي شعيب - الخميس 5 مارس 2020م)



ثم ...
د. حمدي شعيب
(12 مارس 2020م)