السبت، 27 يوليو 2019

(2) حوار ومدارسة تربوية مع الحج

أسعدتني كلمات محدثي وأومأت برأسي مشجعاً أن يواصل حديثه التربوي العذب؛ وكأنني أستحثه على الاسترسال في سرد بقية المهارات والمحفزات؛ التي تجعلنا نعايش موسم الحج روحياً وتربوياً.
فما هي معاني ومغزى رسائل قالها لي الحج:
4-اكسر صومعتك ... واصعد قمتك.

5-اعقلها وتوكل.
6-اهتدي بالمنارة.
من فضلك افتح موقع (إسلاميات).


أسعدتني كلمات محدثي وأومأت برأسي مشجعاً أن يواصل حديثه التربوي العذب؛ وكأنني أستحثه على الاسترسال في سرد بقية المهارات والمحفزات؛ التي تجعلنا نعايش موسم الحج روحياً وتربوياً.

ثم قلت وكأنني أشكره ثم لأركز على ما قاله: لم أزل أستشعر وكأنني أطاول السماء سعادة بأهم رسائلكم؛ وهي عدم تخصيص هذه المحفزات والهدايا للحجيج ومن حضر الموسم في المشاعر فقط؛ بل تشمل كل مسلم هوى قلبه واحترق قلبه شوقاً للبيت الحرام ولزيارة الحبيب.

إنها أجمل ما في مدخلكم الطيب؛ لأننا جميعاً  ـ خاصة من لم يتشرف بالحضور ـ في شوق لكل ما يشعل في نفوسنا الشوق، ويزيد هوى قلوبنا!؟.

ففهم الحج رسالتي، وقال باسماً: أما المهارة الرابعة فهي من المحفزات المهمة والتي تحتاج إلى تركيز.

ولنفتح معاً صفحة أخرى من ملفات هذه العائلة المباركة؛ فنتذكر كيف أن إبراهيم عليه السلام امتثل لأمر الله عز وجل ووحيه، وأخذ وحيده إسماعيل عليه السلام وزوجته هاجر وذهب بهما إلى مكة، (وكانت مكة يومئذ لا نبت فيها ولا ماء، وأنزلهما بمكة في موضع زمزم، ومضي لا يلوي على شيء. ودعا دعائه الخاشع الراضي، وانصرف إلى أهله بالشام، وترك هاجر وولدها الذي طالما دعا الله سبحانه أن يرزقه به، كم كانت تضحية كبيرة، أبَعْد أن يُرزق الولد، ويراه بين يديه، وتقر عينه برؤيته، يحرم منه وهو حي يرزق؟!. والأعجب من هذا يحرم منه طائعاً مختاراً نزولاً على أمر الله عز وجل). [نظرات في أحسن القصص: د. محمد السيد الوكيل]
وتلك هي النقلة العظيمة في حياة أبي الأنبياء عليه السلام؛ وهي التي تترسخ بهذا الابتلاء العظيم والتضحية بالولد والأهل بل والمال أيضاً، في سبيل رضى الله عز وجل؛ لذا اتخذه ربه سبحانه خليلاً.
فهي تمثل قمة النضج في حياة الإنسان عندما يصل إلى مرحلة الترتيب الصحيح لأولوياته، فتصبح الفكرة مقدمة على أي أمور أو مصالح أو ارتباطات أخرى في حياته.
فإذا كان الطفل يمر بمراحل اجتماعية نفسية ثلاثة هي: مرحلة التمحور حول الأشياء، ثم مرحلة التمحور حول الأشخاص، ثم مرحلة التمحور حول الأفكار. وكذلك المجتمعات، تمر بنفس المراحل في تطورها الحضاري. [مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي: مالك بن نبي]
فنحن نؤكد أن ذلك واقع أيضاً في حياة كل مسلم وكل صاحب قضية، وإن تطوره التربوي، يمر بنفس المراحل، حيث يبلغ قمة النضج، عندما يصبح تمحوره حول الفكرة التي يؤمن بها، والمبدأ الذي يحمله، ويتعدى مرحلة التأثر والتمحور حول الوسائل والأشياء والماديات، ومرحلة التمحور حول الأشخاص.
وهي نفس التضحية؛ ونفس النقلة التي مر بها الغلام؛ كما جاء في قصة (الغلام والراهب). [رواه مسلم والترمذي]
فلقد انتصر بفكرته ومبادئه؛ حين قبل أن يموت على يد الساحر؛ بشرط أن يشهد موته كل الناس والعوام؛ فأشعل بموته شرارة إيمان كل هذه الجماهير بفكرته.
وهي نفس النقلة التي أراد سبحانه أن يعلمها ويرسخها في خير الأجيال، حينما أصابهم الخور عندما سرت أشاعة مقتله صلى الله عليه وسلم أثناء محنة أحد؛ فكان العتاب والمراجعة القاسية؛ وذلك حتى يرتبطوا بالفكرة لا الشخص ولو كان خير من وطئ الحصى صلى الله عليه وسلم: "وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ". [آل عمران 144]
أي وما محمد إلا رسول من جنس الرسل الذين قبله يبلغ رسالة ربه. أفإن مات بانقضاء أجله أو قُتِل كما أشاعه الأعداء رجعتم عن دينكم,, تركتم ما جاءكم به نبيكم؟ ومن يرجِعُ منكم عن دينه فلن يضر الله شيئًا, إنما يضر نفسه ضررًا عظيمًا. أما مَن ثبت على الإيمان وشكر ربه على نعمة الإسلام, فإن الله يجزيه أحسن الجزاء.
وتدبر أيضاً سنة الله عز وجل في هذا القانون الشاق؛ (قانون الخروج)، أو المرحلة التي لابد منها، في طريق أصحاب الدعوات، والذي لفت إليه نظر الحبيب صلى الله عليه وسلم عن طريق ورقة بن نوفل، في أول خطواته الدعوية؛ عندما (قال: يا ليتني فيها جذعاً ـ أي شاباً جلداً ـ إذا يُخرجك قومك من بلادك!. قال: أو مخرجي هم؟!. قال: لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي). [نور اليقين: الخضري]
وهو نفس القانون الذي طبق في قصة يوسف عليه السلام وما تمثله من نموذج للخروج والإبتلاء قبل التمكين، ومغزى نزولها في الفترة الحرجة من عمر الدعوة بين عام الحزن، وبين بيعة العقبة الأولى، ثم الثانية، التي جُعِل فيهما الفرج والمخرج لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللعصبة المؤمنة معه وللدعوة الإسلامية، بالخروج والهجرة إلى المدينة.
وهي الرسالة التربوية الرابعة؛ التي أريد أن تصلكم فترقى بكم في هذه الأيام المباركة؛ وهي (اكسر صومعتك ... واصعد قمتك).
وهي التي أقصد بها أن على المسلم؛ ـ خاصة أصحاب المبادئ ـ أن يعيد ترتيب أولوياته، ويدرك أن قمة النضج الإنساني، لا تكون إلا بالتطور والخروج؛ بمعناه العام الراحب؛ وهو الخروج من أسر الوسائل والأشياء والماديات، وبكسر صومعة التأثر بالشخصيات، إلى التمحور حول الفكرة التي يؤمن بها، والمبدأ الذي يحمله.
5-أعقلها ... وتوكل:
أذهلتني تلك الرسالة الرائعة؛ التي جعلتني أعيد ترتيب علاقاتي ومسيرتي في الحياة؛ فتعجلت محدثي ومعلمي الكريم، وعلقت بانبهار: كم هو عظيم أبانا الخليل عليه السلام!؟.
وكم هي عظيمة تلك الأسرة الربانية!؟.
فابتسم الحج من دهشتي وانبهاري ولهفتي على قراءة المزيد من صفحات ملفها الثري؛ وقال: لا تتعجل، لأنني رتبت لكم قراءة الملف صفحة صفحة؛ وبترتيب السياق.
وما سيزيدكم إعجاباً؛ ويزيد قلوبكم هوىً للبيت الحرام؛ هو ما حدث من سلوك الخليل عليه السلام في تربية وإعداد وتهيئة أفراد أسرته ليقوموا بدورهم الرباني في تغيير التاريخ البشري؛ ومن أبرز ما صنعه؛ هو عندما صدع عليه السلام بأمر ربه، وترك هاجر ووحيدها، ومضى، بعد أن وضع عندهما جراباً ـ وهو الوعاء الذي يُحفظ فيه الزاد ونحوه، ـ فيه تمر، وسِقَاءً ـ وهو القربة الصغيرة،ـ فيها ماء، فكانت هاجر تأكل التمر، وتشرب الماء، وترضع وليدها.
وهذا السلوك العظيم في حياة الأنبياء ورواد الإصلاح على مر التاريخ، يوضح أن خلق التوكل على الله عز وجل لا ينفي مبدأ الأخذ بالأسباب.
وتدبر خطة الحبيب ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو المعصوم، حينما هاجر من المدينة، وكيف أخذ كل الأسباب، وكذلك كان ديدنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في كل غزواته، بل وفي كل أموره.
وضوابط التوكل عليه سبحانه، وأهمها الأخذ بالأسباب، وردت في أكثر من وصية عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما: "جاء رجل إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: يارسول الله أعقلها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟. قال: أعقلها وتوكل". [رواه الترمذي عن أنس وسنده حسن]
فكانت رسالة تربوية رائعة؛ تحفز المسلم على معايشة روح الحج؛ فيدرك أهمية وجود التوازن في حركته، بين جناحي الحركة الإيجابية، وهما الأخذ بالأسباب الشرعية، ثم التوكل عليه سبحانه.
وهو أمر يجب أن نغرسه دوماً في نفوسنا ونفوس أبنائنا؛ وهو أهمية دور (سنة الجهد البشري) في تحقيق آمالنا وبلوغ أهدافنا.
وهي سنة إلهية اجتماعية، وقاعدة قرآنية وقانون رباني عام ينطبق في كل زمان ومكان؛ وهو إذا أردت تحقيق هدفاً أو بلوغ غاية؛ فإن عليك أن تبذل قصارى جهدك؛ فتأخذ بكل الأسباب الأرضية المشروعة، ثم تدعو ربك ليكلل جهدك بتوفيقه وعونه وتسديده؛ تماماً كما صنع الحبيب صلى الله عليه وسلم في هجرته وفي غزواته خاصة بدر؛ وهو ما يحقق القاعدة القرآنية: "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ". [الفاتحة5]
و"وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ". [العنكبوت69]
6-اهتدي بالمنارة:
لم يمهلني ضيفي الكريم أن أعلق؛ فاسترسل في حديثه العذب: وعندما تتأملون كيف مضى الخليل ـ عليه السلام ـ قافلاً إلى الشام بعد أن ترك هاجر ووليدها، (فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟. فقالت ذلك مراراً، وهو لا يلتفت إليها!!، فقالت: آلله الذي أمرك بهذا؟.
قال: نعم.
قالت: إذاً لا يُضيعنا، ثم رجعت). [رواه البخاري]
فتدبر هذا الموقف العصيب، وتلك التجربة المريرة، في حياة تلك الأسرة المؤمنة المباركة، وتدبر هذه الزوجة البارة الصالحة الممتحنة، وهي تتعقب زوجها، وتصف له الوادي. وتدبر مغزى هذا الوصف لحالها (فقالت ذلك مراراً، وهو لا يلتفت إليها!!).
ولعل وصف الحديث لعظمة هذا الموقف، ليس فقط في استجابة وامتثال الخليل ـ عليه السلام ـ لوحيه سبحانه، بل في بلوغه هذه القمة الشامخة في الثبات على الحق، رغم رجاء زوجته، مراراً.
حقاً "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ". [النحل 120]
أي كان إمامًا في الخير, وكان طائعا خاضعًا لله, لا يميل عن دين الإسلام موحِّدًا لله غير مشرك به.
والثبات على الحق، زاد يرثه العاملون، من سيرة الأنبياء والدعاة، على طريق الدعوة، ذلك الطريق الذي يقف على قمته الحبيب ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكيف تجسد الثبات في الكثير من مواقفه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكذلك في مواقف من سار على دربه منذ جيل الخيرية الأول، حتى عصرنا هذا، ويكفينا في هذا المقام مثال واحد قريب، لأولئك الشموس، كما في سيرة (صاحب الظلال) ـ رحمه الله ـ ومواقفه مع الطغاة، وثباته على ما دعا إليه لأعظم زاد، وأعظم طاقة حولت الكلمات من أن تكون مجرد عرائس شمعية، يضمها متاحف التاريخ، إلى حياة وروح وشعلة، يعيش على نورها اللاحقون.
وهو الأرث العظيم الذي يفخر به الأبناء السائرين على طريق الآباء والأجداد الهادين المهتدين، أولئك الرجال الصادقين الثابتين، الذين لم يبدلوا: "مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً". [الأحزاب 23]
من المؤمنين رجال أوفوا بعهودهم مع الله تعالى, وصبروا على البأساء والضراء وحين البأس؛ فمنهم من وَفَّى بنذره؛ فاستشهد في سبيل الله، أو مات على الصدق والوفاء, ومنهم مَن ينتظر إحدى الحسنيين؛ النصر أو الشهادة, وما غيَّروا عهد الله, ولا نقضوه ولا بدَّلوه, كما غيَّر المنافقون.
وتلك هي الرسالة التحفيزية التربوية التي نعايشها مع سيرة الخليل عليه السلام؛ وهو الثبات على المبدأ.
لأنه المنارة التي لا تنطفئ؛ تلك المنارة التي يشعلها السابقون للاحقين على الطريق.

ثم ...
د. حمدي شعيب

الخميس، 25 يوليو 2019

(1) حوار ومدارسة تربوية مع الحج

 قال لي الحج: إن محور الخير الذي تدور حوله هدايايا وبشراي إليكم؛ هو:
كيف تعايشون موسم الحج روحياً؟. 

وكيف تحيونه تربوياً؟.
وما هي المهارات أو المحفزات التي تجعلكم تدخلون سوق الحج بإيجابية فتربحون وتسعدون؟.
ذلك حتى ولو لم تشرفونا بحضور الموسم القدسي السنوي.
 

من فضلك افتح موقع (إسلاميات).

لحظات قدسية نورانية علوية عشتها بينما كنت جالساً في لحظات السحر، وكلي سعادة بأن الحق سبحانه الودود الغفور الحنان المنان؛ قد أكرمني بشرف هذا اللقاء القدسي العلوي وقت نزوله سبحانه؛ كما بشرنا الحبيب صلى الله عليه وسلم: "إذا مضى شطر الليل، أو ثلثاه، ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا. فيقول: هل من سائل يعطي؟. هل من داع يستجاب له؟. هل من مستغفر يغفر له؟. حتى ينفجر الصبح". [رواه مسلم]

وبينما كنت سابحاً في مناجاتي: اللهم اجعلنا من المستغفرين بالأسحار، واللهم اجعلنا من الذاكرين الله والذاكرات؛ هاجت في نفسي ذكرى طيبة زادت من قوة الطاقة الروحية داخلي؛ فلقد تاقت نفسي للبيت الحرام وزيارة الحبيب صلى الله عليه وسلم.

فهكذا كل عام؛ كلما مرت علينا نسائم الأشهر الحرم؛ فإن أرواحنا تحن شوقاً إلى البيت الحرام وساكنيه وزائريه ومؤسسيه؛ وذلك استجابه من الله سبحانه لدعاء الخليل عليه السلام: "رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ". [إبراهيم37]

إنها المناجاة الإبراهيمية الخاشعة؛ التي أصابت هدفها؛ فاستجاب الله سبحانه لكلمات خليله؛ والتي أبدع فيها عندما ناداه: ربنا إني أسكنت من ذريتي بوادٍ ليس فيه زرع ولا ماء بجوار بيتك المحرم, ربنا إنني فعلت ذلك بأمرك; لكي يؤدوا الصلاة بحدودها, فاجعل قلوب بعض خلقك تَنزع إليهم وتحنُّ, وارزقهم في هذا المكان من أنواع الثمار; لكي يشكروا لك على عظيم نعمك.
اكتمل المهرجان القدسي الذي عشته؛ فأهداني ربي حبيبي وخالقي هدية طيبة؛ وهي زيارة طيب في وقت طيب وفي حالة روحانية طيبة؛ عندما سمعته يهمس إليَّ: هل اشتقتم إليَّ أيها الأحباب؟.
فقلت وقد تملكتني حالة سكينة لا توصف: مرحباً؛ ولكن قل لي بربك من أنت أيها الطيب؟.
قال وهو يشد على يدي: أنا الذي هوت قلوبكم المؤمنة لحضور عرسه السنوي؛ أنا الحج!.
هدايا ... ومبشرى:
فهتفت به: مرحباً يا صاحب الخيرات؛ فلقد ذابت أرواحنا وهوت قلوبنا شوقاً إليكم؛ فمن منا لا يتمنى أن ينال شرف حضور عرسكم القدسي؟.
قال الحج: وأنا كزائر جئت إليكم لأدعوكم وأحثكم وأحفزكم؛ فقد كلفني ربي أن أهديكم هذه الهدايا التي حملتها إليكم لأزيدكم شوقاً وتحناناً للحضور.
قلت وكلي لهفة: هيا افتح لنا جعبة خيراتكم وهداياكم!.
قال الحج: إن محور الخير الذي تدور حوله هدايايا وبشراي إليكم؛ هو كيف تعايشون موسم الحج روحياً؟. وكيف تحيونه تربوياً؟.
وما هي المهارات أو المحفزات التي تجعلكم تدخلون سوق الحج بإيجابية فتربحون وتسعدون؟.
كن ... شيئاً مذكوراً:
قلت: هذا مدخل طيب وباب رائع ونحن في شوق لكل ما يشعل في نفوسنا الشوق!؟.
قال: لقد أسعدني كثيراً عند حضوري أنني سمعتكم ترددون تلك المناجاة الإبراهيمية المباركة؛ فلقد أسعدني أن تكونوا ممن هوت أفئدتهم؛ الذين قال عبد الله ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: "فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمَْ". [إبراهيم37] (لو قال أفئدة الناس لحنت إليه فارس والروم والناس كلهم).
فاسجدوا لربكم شكراً أن جعلكم ضمن هذا البعض المبارك والمختار من البشر؛ الذين رزقهم ربهم سبحانه هذا الشوق الروحي واختصهم بهذا الهوى القلبي للتشرف بحضور عرسي السنوي المبارك.
وتلكم هي هديتي أو بشراي الأولى إلي أحبابي.
أو المهارة الأولى التي تحفزكم؛ فتجعلكم تستشعرون الحلاوة الإيمانية للحج ولمشاعره؛ وهو أن تستشعروا تميزكم وعظم قيمتكم عند ربكم، وأن هوى قلوبكم للبيت الحرام قد جعل كلا منكم شيئاً مذكوراً.
امتلك النفس التوَّاقة:
سرتني تلك البشرى، واستشعرت بقدري وقيمتي عند ربي؛ وقلت: لا أريد أن أقطاعكم ولكن ما ينطقني؛ هو شوقي لسماعكم، ولمعرفة ما في جعبة خيراتكم لنا.
قال الحج: والآن سأدلكم على المهارة أو المحفز الثاني.
فعندما نستشعر مغزى رواية ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تعجلوا إلى الحج ـ يعني الفريضة ـ فإن أحدكم لا يدري ما يَعْرض لهُ". [رواه أحمد]
إنها الدعوة الكريمة من الحبيب صلى الله عليه وسلم إلى المبادرة، والتعجل في قضاء هذا الركن العظيم، عند الإستطاعة.
وهي دعوة عامة تحفز المسلم إلى المسارعة في الخيرات، دون تراخ: "وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ". [آل عمران133]
و"فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ". [البقرة 148 والمائدة48]
و"بادروا إلى الأعمال سبعاً. هل تنتظرون إلا فقراً مُنسياً، أو غنىً مُطغياً، أو مرضاً مُفسداً، أو هَرَماً مُفنداً، أو موتأً مُجهزاً، أو الدجال فَشَرُ غائبٍ يُنتظر، أوِ الساعةَ فالساعةُ أَدهى وأَمَرُ". [رواه الترمذي وقال: حديث حسن]
ولا تنسوا أن امتلاك هذه النفس التوَّاقة، واكتساب مهارة الروح السباقة إلى فعل الخيرات؛ لها ثمرتين:
الثمرة الأولى: أنها أحد موازين التقييم للعباد وتقديرهم عند ربنا سبحانه.
الثمرة الثانية: أنها من أسباب المسارعة في استجابة الدعاء؛، فالجزاء من جنس العمل.
وهذا ما انطبق على ما حصدته أسرة زكريا عليهم السلام: "وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ". [الأنبياء89و90]
لقد دعا عبد الله زكريا ربه أن يرزقه الذرية لما كَبِرت سنُّه قائلا رب لا تتركني وحيدًا لا عقب لي, هب لي وارثًا يقوم بأمر الدين في الناس من بعدي, وأنت خير الباقين وخير مَن خلفني بخير.
فاستجبنا له دعاءه ووهبنا له على الكبر ابنه يحيى, وجعلنا زوجته صالحة في أخلاقها وصالحة للحمل والولادة بعد أن كانت عاقرًا؛ لأنهم كانوا يبادرون إلى كل خير, ويدعوننا راغبين فيما عندنا, خائفين من عقوبتنا, وكانوا لنا خاضعين متواضعين.
لذا فإن من الرسائل التربوية للحج؛ هي نهتم ببث روح المبادرة والتنافس، وأن نكون من الإيجابيين السباقين التواقين للمعالي.
لا تفقدوا ذاكرتكم:
صمت محدثي قليلاً؛ ثم بادر: أما المحفز الثالث لمعايشة الحج تربوياً؛ هو أن تجيدوا مهارة قراءة التاريخ.
وتأملوا لماذا فتح ربكم هذه الصفحة من ملف العائلة الإبراهيمية المباركة: "رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ". [إبراهيم37]
فمن خلال هذه اللمحة التاريخية، يتذكر المسلم تاريخ تلك العائلة المباركة، ويسمع الخليل إبراهيم عليه السلام وهو يتجه إلى ربه معلناً أنه قد أسكن بعض أبنائه بهذا الوادي المجدب المقفر المجاور لبيت الله الحرام، ويذكر الوظيفة التي أسكنهم في هذا الوادي الجدب ليقوموا بها؛ وهي إقامة الصلاة، وهي التي يتحملون هذه المشقة من أجلها، ثم دعا الحق سبحانه، أن يرقق قلوب البشر ويضع فيها حب هذا المكان، فتتشوق وتسرع، وتفد من كل فج، وأن يرزق أهل المكان، الخير مع هؤلاء القادمين، ليتمتعوا، وليكونوا من الشاكرين.
وهو محفز نفسي رائع، يوضح أهمية أن يستشعر المسلم مدى عمق جذوره، وبعده التاريخي السحيق، ومعنى أن المسلم يردد في صلواته الخمس، ويؤكد على هذه الصلة القوية، بين حلقات الدعوة: "اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم. وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد". [رواه مسلم وأحمد]
ويفخر بأنه حلقة في سلسلة الخير، وذلك عندما يطلع على ما ورد في معنى "آل محمد"؛ حيث (قيل: هم من حرمت عليهم الصدقة من بني هاشم وبني عبد المطلب، وقيل: هم ذريته وأزواجه، وقيل: هم أمته وأتباعه إلى يوم القيامة، وقيل: هم المتقون من أمته). [فقه السنة: سيد سابق]
كل هذا يدعو المسلم؛ أن يحافظ على هذا الإرث العظيم، وتواصله الحضاري.
ويفخر بهذا الذكر الجليل، والبركة التي تغمره بهذا الدعاء الطيب الذي يتردد على ألسنة أكثر من مليار مسلم كل صلاة.
كل هذه القضايا لا يمكن استشعارها دون الإطلاع على تاريخ هذه الدعوة المباركة الخالدة.
وأكرم بالتاريخ من واعظ!.
فالتاريخ ـ كما يسميه العلامة د. القرضاوي حفظه الله ـ هو مخزن العبر، ومعلم الأمم، وهو ذاكرة الأمة الحافظة الواعية، من أهمله أشبه بمن يفقد ذاكرته.
أسعدتني كلمات محدثي وأومأت برأسي مشجعاً أن يواصل حديثه التربوي العذب؛ وكأنني أستحثه على الاسترسال في سرد بقية المهارات والمحفزات؛ ففهم رسالتي، وقال: أما المهارة الرابعة فلها حديث آخر بعونه تعالى.
  ثم ...